أحمد مصطفى المراغي
14
تفسير المراغي
بملابستهم لأرواحهم الطيبة ما يثبتون به قلوبهم ويزيدهم ثقة بوعد اللّه بنصرهم ، فلما تراءت الفئتان وأوشكا أن يتلاحما فرّ الشيطان بجنوده من بين المشركين ، لئلا تصل إليهم الملائكة الملابسة للمؤمنين ( وهما ضدان لا يجتمعان ، ولو اجتمعا لقضى أقواهما وهم الملائكة على أضعفهما وهم الشياطين ) . فخوف الشيطان إنما كان من إحراق الملائكة لجنوده لا على المشركين ، كما يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق متلاش أمامه لا يبقى منه شئ . ( إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ ) أي وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم حين يقول المنافقون ومن في حكمهم من مرضى القلوب : ما حمل هؤلاء المؤمنين على الإقدام على ما أقدموا عليه مع قلة عددهم وكثرة عدوهم - إلا غرورهم بدينهم ، ولا غرو أن تصدر هذه المقالة ممن حرم الإيمان الكامل والثقة باللّه والتوكل عليه . روى عن مجاهد أنه قال : هم فئة من قريش ، قيس بن الوليد بن المغيرة والحارث ابن زمعة بن الأسود بن المطلب ويعلى بن أمية والعاص بن منبّه ، خرجوا مع قريش من مكة وهم على الارتياب فحبسهم ارتيابهم ، فلما رأوا قلة أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالوا : غرّ هؤلاء دينهم حتى أقدموا على ما أقدموا عليه مع قلة عددهم وكثرة عدوهم . ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) أي ومن يكل أمره إلى اللّه ويؤمن إيمان اطمئنان بأنه ناصره ومعينه ، وأنه لا يعجزه شئ ولا يمتنع عليه شئ أراده - يكفه ما يهمه وينصره على أعدائه وإن كثر عددهم وعظم استعدادهم ، لأنه العزيز الغالب على أمره ، الحكيم الذي يضع كل أمر في موضعه بمقتضى سننه في نظام العالم ، ومن ذلك أن ينصر الحق على الباطل .